تاريخ النزعة الاستهلاكية

تاريخ النزعة الاستهلاكية

ابتدأت النزعة الاستهلاكية عند نهاية القرن التاسع عشر، وهي نزعة تتحدى العرف وتثير معارضة متينة في الغالب، فحتى مناصروها الذين يجدون في التسوق تسلية وتعبيرا عاطفيا يضمرون شعورا بالذنب. هذا الكتاب يدرسها باعتبارها تطورا حياديا أو على الأقل يمزج المنافع والأضرار.
قد يكون لتفاخر الإقطاعيين الأوائل بثوب باذخ أو بالجواهر صلة مبكرة بهذه النزعة، وكان كثير من النبلاء يستهلكون المنتجات الترفية القادمة من اليونان وشرق البحر المتوسط والصين، حتى مع استنكار النقاد لذوقهم الهابط. كما اظهروا ولعا بالسكر والحلويات التي عرفوها خلال الحروب الصليبية، واهتموا بالأشياء المنزلية المزخرفة، وكانت التجارة تتم بمقايضة السلع ببعضها حتى القرن التاسع عشر.

لكنّ أغلب الناس كانوا فقراء، وربما كانت الثروة مثيرة للشك لقلة حظ الغني في الدخول إلى ملكوت الله كما جاء في الإنجيل. الإسلام كان أكثر ودا نحو المال من الأديان الرئيسية الأخرى، بشرط دفع الزكاة والصدقات، مع العلم أن الآخرة هي الغاية في معظم الأديان. أما الكونفوشيوسية، فأنها لم تكن ديانة بقدر ماهي دعوة أخلاقية للتركيز على حياة جيدة في مجتمع هرمي يعطي الأفضلية للطبقة العليا. غير إن كسب الثروة في الصين وإنفاقها في ما هو زائد كان باعثا على الازدراء من الطبقتين الفقيرة والغنية. جميع الأديان أقامت هدنة مع الثروة المهددة للدين والأخلاق، وكانت الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر تنظر للربح بود أكثر مما يفعل القادة المسيحيون التقليديون، وتزدان باللوحات الثمينة والأردية الكهنوتية والجواهر( لتمجيد الله). أما الأيمان البروتستانتي وبالرغم من انه التزم بأولوية الخلاص فأنه نظر إلى الكسب على أنه علامة على العناية الله.

لقد كانت المادة الأكثر شراء في أغلب الحضارات الزراعية هي الملح، الأمر الذي أغنى تجار الملح الصينيين، وكان يستخدم في المقام الأول لحفظ اللحم، ما سمح باستهلاك المزيد منه، لكنه نادرا ما أوحى بالنزعة الاستهلاكية، لأن الفلاحين كانوا يفضلون حيازة المزيد من الأرض. وكثيرا ما كانت المساهمة في بناء برج أعلى للكنيسة أو بناء جرس أكبر أفضل من شراء الحاجات الخاصة، ولم تكن الأشربة كالشاي والقهوة متاحة، وكانت المواد الأساسية هي الحطب والزيت والرز والملح في الصين، وكان الياباني إذا ما أراد إن يكون ناجحا، فيجب أن يحب الله ويمتلك عربة.

ظهرت الاستهلاكية في الغرب في بدايات القرن الثامن عشر، وكان شراء الخزامى إحدى بدع القرن السابع عشر، وبدأ أصحاب المتاجر يبيعون بعض المواد مخفضة السعر لجلب الزبائن وابتكروا وسائل تحايل خاصة، فهناك صورة من العام 1747 تظهر بائعا يرتدي زي سيدة راقية لجذب الانتباه إلى حلية مبتذلة معروضة للبيع.

لقيت موجات تأثير النزعة الاستهلاكية أصداء سريعة بحيث كان تقليد أزياء الطبقات الراقية يتم بسهولة بنماذج أرخص. وحازت الساعات وأدوات ومبيعات العطور انتشارا وكانت المواد المنزلية تأتي في الدرجة الثانية، كما شكلت مجلات الأطفال مادة استهلاكية جيدة، ونظمت السيركات في أواخر القرن السابع عشر. وفي القرن الثامن عشر انتشر الصابون والقهوة وتبغ الغليون وأحمر الشفاه والأزرار المزخرفة والقبعات الخاصة والسكر كمادة جماهيرية. وأفرزت النزعة الاستهلاكية ظاهرة السرقة، خاصة الملابس. وترافقت مع حب المنازل القديمة والانتباه إلى الروائح ومزيلاتها لاحقا، والتضايق من الدخان داخل البيوت فظهرت الغلايات والمواقد، وتمّ الاهتمام بالمظلات المستعارة من النظام الصيني وانتشر الاهتمام بالأثاث والشبابيك الزجاجية…

يعيد بعضهم أسباب النزعة الاستهلاكية إلى الطبيعة الإنسانية التي تدفع للابتهاج بالسلع الجديدة. المؤرخون يحيلون انتشارها إلى حب منافسة الطبقات العليا الأرستقراطية ويثنون على حركة التنوير الفلسفية في التقدم المادي بتأكيدها على القيم الدنيوية، واهتمامها بتطوير الأطفال ووسائل الإيضاح التربوية، فنشأ تيار ثقافي دعي بالرومنطيقية التي ركزت على العاطفة الفردية وأبرزت الجمال الأخلاقي والبدني الأنثوي. وبدأ طرح وضع النساء لنقاش جديد مع البروتستانتية التي أكدت على المرأة كفرد من العائلة. أنجزت أوروبا نسختها الأولية من المجتمع الاستهلاكي قبل انتشارها عالميا، خاصة مع التوسع الكولونيالي حتى تحدث بعض المؤرخين عن ثورة استهلاكية في القرن الثامن عشر. وكتب أحد الإنكليز ساخرا: إذا ما كان لدى الناس مرآة أمام أعينهم فسيغيرون مظهرهم كل ربع ساعة.

السفر إلى المدن ورغبة المدنيين في تمييز أنفسهم عن الريفيين، والنمو السكاني كانت عوامل أضافية. إلا أن تفسير الظاهرة كتعويض كان أقل صمتا. ومن الأسباب تغير طرق الإنتاج والتوزيع، والتعويض عن النقص في جوانب أخرى من الحياة.

انطلقت النزعة الاستهلاكية في أميركا متأخرة لكنها انتشرت بسرعة والسبب أن الصلة بين التجارة والثقافة الأوربية والأميركية متينة وضمنها الشعور المتذمر بالدونية تجاه أوربا.

انتشرت المخازن الكبرى الباريسية الأصل، التي خلقت الطلب. فانتشرت الدرّاجات التي غدت مرتبطة بالحب وظهور بدعة التواعد العاطفي والوجبات الخفيفة ثم السيارة والدمى والكرات والمعدات الرياضية والروايات البسيطة وقصص الويسترن والتسلية. وفي عام 1930 كان الصابون مادة البقالة الثانية بعد الخبز في أميركا وأصبح الجنس وسيلة لملء وقت الفراغ وعزز الفراغ الاستهلاكوي قبول “الاتجاه البدعي” وأصبح الشعار: اشتر الآن وادفع فيما بعد. وزاد الطلب على الإعلان ووظفت الأنوثة كأداة إعلانية، وانطلقت هدايا عيد الميلاد وأصبحت العطلات تُخترع لأسباب تجارية لكن بمضمون عائلي وأعيد النظر في تقييم الفضيلة والرذيلة.

برزت بالاتجاه الآخر حركات دينية مضادة مثل الميثودية بقيادة تشارلز وجون ويزلي لإحياء الكنيسة الإنكليزية، وحركة التقوى الألمانية التي حرضت على دراسة الكتاب المقدس والخبرة الشخصية. النازية كانت حركة مضادة للاستهلاكوية لأنها تسرق الاهتمام من الدولة والقائد، وكانت رواية توماس مان “مانبدينبروكز” نقدية بشكل مبكر تجاه “الغندرة” والتخنث.

وأعتبر بعض النقاد الخنافس( الهييبز) حركة ثقافية معارضة للاستهلاك، وفي أواخر القرن العشرين أصبح الفلاح الفرنسي بطلا حين يهاجم مطعم مكدونالدز وشهدت أوروبا نزعات مضادة للأمركة، فالكاتب الفرنسي جورج دوهامل اعتبر الأمركة مهددة للحضارة الفرنسية بالكسوف وصارت مناهضة الاميركانية هواية قومية فرنسية ووُصفت السيطرة الأميركية الثقافية بالكولونيالية. الأمريكيون أيضا أبدوا قلقا من النزعة الاستهلاكية فهوجم الأفارقة الذين يرتدون الأزياء الصارخة، وحورب الإفراط الكحولي، والنشاط الجنسي المكشوف والعنف الإعلامي وأصبحت السمنة علامة كسل، إلا أن قلقهم كان أقل من القلق الأوروبي ويعود السبب إلى غياب التسلسل الهرمي الاجتماعي التقليدي وعدم وجود نزعات يسارية ولا سامية كما في أوروبا.

بقيت النزعة الاستهلاكية في روسيا معقدة وريفية الطابع ومتدينة، وزادتها الثورة البلشفية تعقيدا وقيودا. في الثلاثينات ظهرت قصور الاستجمام على البحر للقادة السوفيات وكان لزيارة خروشوف إلى أميركا سنة 1959 أثر صاعق برؤيته عجائب الاستهلاك الأميركية. في الثمانينات تحولت النزعة الاستهلاكية في روسيا إلى “هوية” بديلة لدى الشباب لكنها تضمنت على العموم تعقيدا تاريخيا أصيلا.

الصين قاومت التأثيرات الاستهلاكية ولم تنشأ المخازن الكبرى إلا في أواخر القرن العشرين، وكان توظيف النساء فيها ملفتا بشكل سلبي. الشيوعية حدت من النزعة، فلم تنتشر المطاعم حتى الثمانينات.

أما اليابان فقد هامت بحمى الاستهلاك، رغم تعارضها مع الثقافة التقليدية اليابانية، مع أن أفلام رعاة البقر الأميركية تتصادم مع ثقافة الساموري، وبدا عجيبا أن تؤسس اليابان ديزني لاند في طوكيو في 1988، وأن يصبح عيد الميلاد عيدا شعبيا يمزج القومي بالعالمي. اليابان صارت قائدا استهلاكيا لذاتها، صحيح أنها لم تبن مدينة سينمائية على غرار هوليود كما بنت ديزني لاند، لكن أفلام الكرتون اليابانية تغزو العالم.

تعولمت النزعة الاستهلاكية بعد ظهور الإنترنت، وأثرت في الفن والذاكرة، وأصبح الزواج لعبة استهلاكوية، وظهر ما يسمى “بجنون السلع” وبرزت أسواق نخاسة الرياضيين، و سرّعت التقانات من الاستهلاكوية فصارت مشاهدة مباريات كأس العالم سلعة كبيرة دولية. هجرات العمال، وغزوات الجنود الأميركيين المعروفين بالنزعة الاستهلاكية، والأفلام الهوليودية والعروض التلفزيونية، من العوامل التي أشاعت الروح الاستهلاكية في العالم.

تمتلك النزعة الاستهلاك وجها ديمقراطيا، لمحوها بعض الانقسامات وتشجيع الانتماء العالمي لكن التجانس مستحيل بسبب التفاوت في المكسب. تُتهم النزعة الاستهلاكية بأنها تهدد الهويات القومية، لكن قياس السعادة يبقى مفهوما يصعب ربطه بالاستهلاك.

الكتاب: تاريخ النزعة الاستهلاكية

الكاتب: بيتر .ن. ستيرنز

ترجمة: عادل العامل

 

اضف رد

*